مقالة جدلية
هل اللغة والفكر منفصلان او متصلان




طرح مشكل: ان البحث عن طبيعة العلاقة بين اللغة والفكر هي من القضايا التي اختلف فيها فلاسفة اللغة،اذ يذهب الروحانيون منهم الى ان اللغة منفصلة عن الفكر ولا يمكنها مطابقته ،في حين يرفض علماء النفس المعاصرون هذا الفصل ويرون انه لا وجود للغة مفصولة عن التفكير بل هما متطابقين ،فما هي الحجج والمبررات التي يستند اليها كل موقف فيما ذهب اليه وماحقيقة العلاقة بين اللغة والفكر ؟

محاولة حل المشكلة: عرض الموقف الاول:
يرى الفلاسفة الروحانيون وعلى راسهم 'برغسون' ان اللغة والفكر مفهومين منفصلين غير متطابقين فالفكر اوسع واغنى واسمى من اللغة ،وقدرة الانسان على التفكير قدرة فائقة لا تقابلها نفس القدرة على التعبير
فالحياة النفسية في نظر''برغسون'تنقسم الى مستويين مستوى بسيط يسميه الأنا السطحي وهو الذي تشكله التصورات الذهنية البسيطة ومستوى عميق وهو مايعمل في اعماق الروح من مشاعر و عواطف
واذا كانت اللغة قادرة على حمل الافكار الأنا السطحي فإنها لاتستطيع ان تعبر عن مايحمله الانسان في اعماق روحه من عواطف و مشاعر لان اللغة قوالب ساكنة ومحدودة في حين ان الروح تزخر بفيض من المشاعر والافكار الحيوية التي تعرف بالحدس اي المعاناة الذاتية ،ومحاولة الإنسان صب هذه الأفكار العميقة في قوالب لفظية هو قتل لحيويتها ،لان اللغة لا تنقل الفكر الا اذا جزئته والمشاعر هي احوال نفسية كلية لاتقبل التجزئة لذالك يقول "الحدسيون"'ان الالفاظ قبور المعاني'ويقال ايضا 'ان اجمل الأشعار مالم يكتب 'الى جانب هذا فإن الانسان يجد نفسه في الكثير من الاحيان عاجز عن ايجاد اللفظ المناسب للفكرة التي يحملها وقد يتردد في اختيار الكلمة المناسبة ،والذي يدل على ان الفكرة موجودة واللغة مفقودة اي ان هناك فكر خارج عن اللغة لذلك يبحث الانسان على بعض المشاعر،كالرسم،الصيغ المجازية،الإستعارة،الموسيقى،الكتابة
النقد: صحيح ان هناك احوال يجد الإنسان نفسه عاجز عن التعبير لكن هذا العجز لايدل بالضرورة على عجز اللغة بل قد يعود لعوامل نفسية كأن لم يفهم الإنسان الفكرة او قلة التركيز فيعجز عن تنظيم افكاره وبالتالي يعجز عن التعبير عنها
فالإنسان في الكثير من الاحيان يحمل افكار ومشاعر لكنه لا يستطيع التعبير عنها ،واذا كان من المنطق ان نفكر قبل ان نتحدث فإن ذلك لا يعني ان بين اللغة والفكر اسبقية زمنية اذ إن المتأمل في نفسه يلاحظ انه يستعين بكلمات اثناء التفكير
عرض الموقف الثاني: نجد في هذا الموقف زعماء المدرسة السلوكية وعلى رأسهم 'واتسن'او الظواهريون او زعماء النفس التكويني امثال'جون بياجي'الذين يرون ان اللغة والفكر شيئ واحد فلا وجود لفكر خارج عن دائرة اللغة
اذ يرى'واتسون'ان اللغة لسيقة بالفكر اي اننا مضطريين اثناء التفكير الى استخدام الالفاظ ،فالتفكير كلام صامت و للغة تفكير مسموع يقول'واتسون' " ان التفكير ماهو الا كلام صامت يختفي وراء الصوت"
في نفس الاتجاه ترى المدرسة الظواهرية ان العلاقة بينهما مثل وجهي العملة النقدية الواحدة وما اللغة الا مظهرها وما الفكر الا مبطنها يقول'دولاكروا' "ان الفكر الذي يصنع اللغة تصنعه" كما ان الفكر هو الذي يكسب اللفظ دلالته ومعناه واللغة هي التي توضح الفكرة ،ولولا اللغة لكانت الافكار هواجس ومشاعر غامضة غير معروفة  وترى مدرسة علم النفس التكويني ان اللغة والفكر متلازمين بحيث يرى'جون بياجي' ان نمو اللغة عند الطفل تابع لنموه الفكري وكلما ازدادت الفاظه ازدادت افكاره
النقد: لاشك ان اللغة تتأثر بالفكر كما تؤثر فيه وترابطهما ببعضهما لايعني بضرورة التطابق والمساوة اذ ان النشاط النفسي للإنسان يكذب ذالك فكثيرا مايفهم الإنسان الأفكار ويستوعبها ،لكنه لايجد الألفاظ المناسبة للتعبير عنها ،اذ ان الطالب الذي يستوعب كل معاني الدرس ليس بالضرورة قادر عن التعبير على كل مافهم واستوعب
التركيب:لذلك فإن العلاقة بين اللغة والفكر ليست علاقة تطابق ولا انفصال بل هي علاقة تقاطع وتأثير متبادل اذ ان اللغة تتأثر بالفكر والفكر يتأثر باللغة ،واللغة ذاتها تخدم الفكر لأنها هي التي تنقله من المبطن الى المضهر وهي التي تجد المعاني والمصطلحات وتحللها
حل المشكلة: نستنتج اذن ان العلاقة بين اللغة والفكر علاقة تداخل وإن ذالك لايعني علاقة تطابق وان قدرة الإنسان على التعبير اضيق من قدرته على التفكير ولكن هذا لا يعني انهما مفهومين منفصلين

للمزيد من المقالات من هنا
جوابي ياسين
كاتب المقالة
كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع موقع الدراسة والتوظيف .

جديد قسم : مقالات فلسفية

إرسال تعليق